محمد بن محمد ابو شهبة
140
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وإن لنا هنا لوقفة ترينا كيف يبلغ السمو النفسي والخلقي بصاحبه ، وترينا كيف قبل النبي على جلالته عن طيب خاطر أن يقتصّ أحد المسلمين من نفسه ، وهو غاية ما يطمع فيه من عدل في هذه الحياة ، وترينا أيضا كيف بلغ حب هؤلاء الصحابة للرسول وتكريمه وتقديسه في نفوسهم ، قداسة لا تخل بدين ولا عقيدة ، فهذا سواد وقد حضر موطن الشهادة يريد أن يحظى بلمسة من جسد الرسول ، لأنه يرى فيها ثلج الصدر ، وطمأنينة القلب وغذاء الروح ! ! وصاة النبي للمسلمين وتزاحف الناس من الفئتين ، ودنا بعضهم من بعض ، وأخذت جموع المشركين الغفيرة تنحدر نحو معسكر المسلمين ، والمسلمون ثابتون في مكانهم ، وذلك عملا بنصيحة الرسول صلى اللّه عليه وسلم فقد قال لهم : « لا تحملوا حتى امركم ، وإن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنبل ، ولا تسلّوا السيوف حتى يغشوكم » ، وقد بلغ النبي الغاية في السياسة الحربية بهذه الخطة الحكيمة ، إذ أن معسكر المسلمين يكاد يكون خلوا من الخيل التي لابدّ من وجودها في الهجوم ، هذا إلى قلة عددهم وكثرة عدد عدوهم ، فكان لابدّ من اتباع خطة الدفاع بدل الهجوم . إشفاق ودعاء وعاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى العريش ومعه صاحبه الصدّيق ، وسعد بن معاذ على باب العريش شاهرا سيفه ، وكان رسول اللّه أشد ما يكون إشفاقا على المسلمين وهم قليل ، وأخوف ما يكون من مصير هذا اليوم الذي له ما بعده ، واتجه النبي بقلبه وصدق إخلاصه إلى ربه ، مناشدا إياه ما وعده ، ومستنزلا النصر والمدد لأصحابه ، قائلا : « اللّهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد بعد في الأرض أبدا » ، وما زال يدعو ويستغيث حتى سقط رداؤه ، فأخذه أبو بكر فرده على منكبيه ثم قال : ( يا رسول اللّه كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك ) . وأخذت النبي سنة وهو في العريش ثم انتبه فقال : « أبشر يا أبا بكر ، فقد